معالي الشيخ صالح بن حميد: حفظَ القرآن مشروع لا يَعرف الفشل
التاريخ : 15/9/2022 الموافق : 1444/2/19

اكد معالي الشيخ صالح بن حميد عضو هيئة كبار العلماء وامام وخطيب المسجد الحرام ان حفظ القرآن الكريم من الفضائل والفوائد ما يدعو المسلم إلى المسارعة إلى هذا الخير والمشاركة فيه؛ حتى يكون من أهل القرآن الذين هم أهلُ الله وخاصَّته.

وإذا كان القرآن الكريم كلامَ الله تعالى، وإليه التحاكُم، وهو المرجع عند النزاع والخلاف لدى أُمَّة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فما ظنُّكم بمَن يَحفظه، ويُعنى به، ويشغل به وقته؟!

ومن كان هذا شأنه فإنه يتقلب في عدد من الفوائد والفضائل، منها:

1- إنَّ في حِفظه تأسِّيًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كان يَحفظه ويُديم تلاوته، ويَعرضه على جبريل - عليه السلام - في كلِّ عام مرة، وفي السنة التي توفِّي فيها، عرَضه عليه مرتين، وكان - عليه الصلاة والسلام - يُقْرِئُه أصحابه - رضي الله عنهم - ويَسمعه منهم.

2- إنَّ في حفظه تأسِّيًا بالسلف، وسيرًا على جادَّتهم، فقد كانوا يَبدؤون بحفظ القرآن ودراسته قبل سائر العلوم؛ قال الإمام ابن عبدالبر: "طلبُ العلم درجات ومناقل، ورُتَبٌ لا ينبغي تعدِّيها، ومَن تعدَّاها جُملة، فقد تعدَّى سبيل السلف - رحمهم الله - فأوَّل العلم حِفظ كتاب الله - عز وجل - وتفهُّمه".

ويقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "وأما طلبُ حفظ القرآن، فهو مُقدَّم على كثيرٍ مما يُسميه الناس علمًا، وهو؛ إمَّا باطلٌ، أو قليلُ النفع، وهو أيضًا مُقدَّم في حقِّ مَن يريد أن يتعلَّم علمَ الدين من الأصول والفروع، فإنَّ المشروع في حقِّ مثل هذا في هذه الأوقات، أن يبدأَ بحفظ القرآن؛ فإنه أصلُ علوم الدين".

3- حِفظ القرآن من خصائص هذه الأُمة؛ يقول ابن الجزري: "إن الاعتماد في نَقْل القرآن على حفظ القلوب والصدور، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأُمة".

ولا يزال حفظ القرآن شعارًا لهذه الأمة، وشوكة في حلوق أعدائها؛ يقول أحد المستشرقين: "لعلَّ القرآن هو أكثر الكتب التي تُقرأ في العالم، وهو بكلِّ تأكيد أيسرُها حفظًا".

ويقول آخر: "إننا اليوم نجد - على الرغم من انحسار موجة الإيمان - آلافًا من الناس القادرين على ترديده عن ظَهْر قلبٍ، وفي مصر وحْدها من الحُفَّاظ أكثر من عدد القادرين على تلاوة الإنجيل عن ظَهْر قلبٍ في أوروبا كلها".

5- إن حفظَ القرآن مشروع لا يَعرف الفشل، فحين يبدأ الراغب في حفظه، ثم تنتهي عزيمته، ويَضعُف نشاطه وقد حَفِظ بعض أجزائه، فإنَّ هذا الجهد لَم يذهب سُدًى، بل هبْ أنه لَم يَحفظ شيئًا يُذكر، فالوقت الذي بذَله في التلاوة والحفظ والمراجعة، وقتٌ قضاه في طاعة الله - تبارك وتعالى - وكم آية وسورة تلاها وقد عَلِمنا أنَّ الحرف من كتاب الله بعشر حسنات.

6- إنَّ حافظ القرآن الكريم يَستحق التكريم والإجلال؛ فعن أبي موسى: ((إنَّ من إجلال الله، إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المُقسط))؛ رواه أبو داود.

فحُقَّ لمَن حازَ كلام الله تعالى في صدره، أن يُكْرَم ويُجَلَّ.

7- إن الغِبْطة الحقيقية، إنما تكون لِمَن حَفِظ القرآن الكريم، وقام بحقِّه؛ ((لا حسدَ إلا في اثنتين: رجَل عَلَّمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسَمِعه جارٌ له، فقال: ليتني أُوتيتُ مثل ما أُوتِي فلان، فعَمِلت مثلما يَعمل))؛ الحديث رواه البخاري.

8- في حفظ القرآن رِفعة في الدنيا والآخرة ونجاة من النار؛ ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين))؛ مسلم.

9- حافظ القرآن مع السَّفرة الكرام البَررة؛ ((مثَلُ الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له، مع السَّفرة الكِرام البَررة، ومثل الذي يقرَأ وهو يتعاهَده وهو عليه شديد، فله أجران)).

   أما تلقين الطلاب القرآن الكريم، والذي قد يظهر في عيون البعض أنه أمر لا يستحق كل هذا الاهتمام –وهو اهتمام لا يقدِّره إلا الذين يعرفون معنى ما يفعلون– فإن له شأن عظيم، وفيه وصل للناشئة بالقرآن الكريم يستبقي هوية المسلمين حاضرة، فالمسلمون والشخصية الإسلامية صنيعة القرآن الكريم.

   ومشكلة الأمية تُمحى مع تعلم القرآن الكريم قراءة وكتابة، فالقرآن صَنَع المسلمين، ورفع من مستواهم، وطرد الأمية عن بلادهم، فحضارة المسلمين ملتحمة بالقرآن الكريم.

   ومن خلال الحرص على حفظ الناشئة القرآن الكريم؛ نكون قد صقلنا كفاءات كان من الممكن أن تضيع، وهيأنا تلك العقول لمواصلة تلقي العلم من مؤسسات تعليمية أخرى.

     وإذا أتم الصغير حفظ القرآن الكريم يكون قد حفظ من كلمات اللغة العربية سبعة وسبعين ألفًا وأربعمائة وتسعة وثلاثين كلمة 77439 وهو عدد كلمات القرآن الكريم، وبهذا يكون قد امتلك زادًا لغويًا لا يمتلكه تلميذ في مكان آخر، ويقرر اللغويون أن من امتلك ما يزيد عن عشرة آلاف كلمة في أي لغة يعتبر متقنًا لتلك اللغة، واللغة أساس عظيم من أسس بناء أي حضارة، قال الله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) سورة البقرة: 31

  وهذا النظام التعليمي نقل الأمة الإسلامية من أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب إلى أمة علّمت العالم كله.

      كذلك حينما نصل الناشئة بالقرآن الكريم، نصلهم بأخلاق القرآن وتربية القرآن، ومع عملية الحفظ سواءً في الكتاتيب أو المقارئ، يتعلم الطلاب من خلال التلقي عن شيوخهم توقير المعلم والقرآن والعلم، فإذا دخل المدرسة كان متمتعًا بهذا الخلق الرفيع وتلك المدارس التي يشكو بعضها من العنف الذي يمارسه التلميذ على الأستاذ -وقد تجاوز عنف المعلم على التلميذ إلى عنف التلميذ على الأستاذ-، وهذا بعيد كل البعد عن الأخلاق الإسلامية التي تربى عليها المسلمون عبر التاريخ، وذلك لأن البيئة التي كانوا فيها هي بيئة احترام ورحمة وتقدير للعالم ولصاحب القرآن الكريم، فكان هذا دافعًا لاستمرار حركة التعليم عمومًا، فإتقان الحفظ -وإن كان مطلوباً- ليس هو الهدف وحده فالتربية الحسنة، وغرس القيم الإسلامية، وتهذيب الأخلاق أمر مطلوب في هذه الحلقات، ليتحقق لحامل القرآن الهدف الأسمى والغاية النبيلة، وليتميز طالب الحلقة عن غيره من الشباب بهذه التربية.

    وتلاوة القرآن تزكية للنفس، وتقرّب إلى الله بكلامه؛ تُصفي الروح وتهذّب الأخلاق، وتمد القارئ بقوة روحية هائلة يجابه بها الحياة بما فيها من مشكلات، وصعوبات في ضوء ما حددته الشريعة من ضوابط وأحكام، وتملأه ثقة بأن جهده لن يضيع.

     وحينما يحفظ الناشئة القرآن الكريم لا يعني هذا أن نكتفي بذلك فقط؛ وإنما هي بداية وانطلاقة نحو أعلى مراحل التعليم بكافة أنواعها، وما كان حفظ القرآن الكريم إلا اللبنة الأولى في بناء الصرح التعليمي الكبير لحافظ القرآن الكريم، والكثير من أعلام العلم وخبرائه وجدناهم من حفظة كتاب الله، وممن تلقى القرآن في الكتاتيب أو المقارئ، ثم واصلوا رحلتهم العلمية إلى أعلى مستوى يمكن أن يصله الإنسان في التعليم.   

  فالقرآن ينطلق بأصحاب الهمم للقمم، وما نحن فيه الآن من هذا الاحتفاء والاحتفال بأبنائنا الذين قصدوا أصل المعالي بحفظهم لكتاب الله، والعيش مع سوره وآياته، لهو خطوة رائدة ورائعة نحو بناء مستقبل لهؤلاء الحافظين الذي سيجدون أثره المبارك عليهم وعلى من حولهم في أمر الدنيا والدين.