البزل القطني وخرافات الشلل
التاريخ : 15/3/2022 الموافق : 1443/8/12

 

مقال الدكتور محمد المهيزع

كلما شاهدت طفلًا يعاني إعاقة حركيه وذهنية وتشنجات صرعية شديدة كان سببها التهاب سحايا حدث في الأشهر الأولى من العمر، ولم تتم معالجته بالشكل المناسب، تعود بي الذاكرة إلى جنى، تلك الزهرة الجميلة التي لم تتجاوز الستة أشهر من العمر، والتي كانت أول صيحة لزوجين حالمين ببيت سعيد؛ جنى، أتى بها والداها إلى قسم الإسعاف في إحدى المستشفيات بسبب حمى متوسطة وخمول مع قلة الرضاعة، فقرر طبيب الإسعاف تنويمها وعمل تحاليل استقصائية للالتهابات والبدء في استخدام المضادات الجرثومية المناسبة، طلب الطبيب إجراء بزل قطني لفحص سائل الدماغ خشيه وجود التهاب السحايا وهو ما يخشاه كل طبيب أطفال يعاين طفلًا صغيرًا به حمى وخمول، رفض والد جنى هذا الإجراء خوفًا مما ينتشر بين الناس من حدوث الشلل بعد مثل هذا الإجراء وهي خرافه لم تثبت صحتها، خصوصًا حين  يقوم بهذا الإجراء من يعرف الحالات التي لا يُنصح فيها بإجراء البزل القطني،  ومن تلك الحالات وجود تورم في الدماغ مما يسبب ارتفاعًا غير متجانس في ضغط الدماغ قد تتطور لتشكل ضغطًا على أجزاء مهمة، وقد تنتهي في أسوأ الحالات إلى الموت الدماغي، إلا أن فحص سائل الدماغ في حالات حمى الأطفال خصوصًا في السنة الأولى من العمر يعتبر بالغ الأهمية لتحديد نوع العلاج المناسب ومدته.

نعود إلى جنى، فبعد أن دخلت للمستشفى بدأ الطبيب باستخدام مضادات الالتهاب البكتيري والفيروسي بعد عمل مزارع الدم والبول، ودون أخذ عينة سائل الدماغ لرفض الوالد الإذن بذلك، في اليوم التالي كانت جنى كالزهرة المتفتحة النشيطة مع انخفاض في الحرارة وتحسن في الرضاعة، قرر الفريق المناوب إيقاف المضادات الحيوية على أمل أن تخرج في اليوم التالي للبيت، وما هي إلا ثنتي عشرة ساعة أو تزيد قليلا حتى عاودتها الحمى مع تشنجات متكررة استلزمت نقلها للعناية الحرجة والبدء بعدة أدوية لإيقاف التشنجات، وبعد التقييم بالأشعة والتخطيط وتحليل سائل الدماغ، تبين أنها كانت تعاني من التهاب السحايا الفيروسي بسبب فيروس الهربس الأول، إن عدم أخذها للعلاج المناسب مدة لا تتجاوز اليوم كانت كفيلة ليفتك هذا الفيروس بدماغ جنى لتخرج تلك الطفلة بعد شهرين من الإقامة في المستشفى مصابة بشلل رباعي وتخلف عقلي شديد مع تشنجات متكررة.

رسالتي هنا لكل أب وأم حريص على طفله الصغير، لا تتهاون مع الحمى في الستة أشهر الأولى من العمر، ولا تتردد في إجراء البزل القطني في مثل تلك الحالات، ولكل طبيب أطفال تمر به مثل جنى أقول: لا تتنازل بسهولة عن إجراء ما يلزم عند أدنى رفض من الأهل، فـبين يديك أمانة ستُسأل عنها، ولن تغني عنك ورقة رفض العلاج أمام من لا تخفى عليه السرائر، والسعيد من اتعظ بغيره.