إبراهيم العمار | قصة عطاء بن أبي رباح
Generic placeholder image
التاريخ : 6/11/2016 الموافق : 1438/2/6
  إبراهيم العمار   عندما نقرأ سِيَر الصحابة والتابعين؛ فإننا لا نُدرك بعض التفاصيل عنهم؛ لأن المؤرّخين لم يركزوا على الدقائق الشخصية كالمظهر مثلاً، وكانوا غالباً يذكرونها ذِكراً عابراً، وأكثر تركيزهم على إنجازات الشخص وأعماله وعلاقته بالأحداث الكبيرة؛ لذلك نفاجأ إذا اكتشفنا حقائق غير متوقعة عنهم، ومنهم التابعي عطاء بن أبي رباح رحمه الله. مرّت علي قصة عطاء وأنا صغير لما قرأتُ كتاب صور من حياة التابعين للأديب عبدالرحمن رأفت الباشا، رحمه الله، وهو أول اسم يبدأ به الكاتب كتابه، وعجبتُ من عَظَمة علم عطاء وتأثيره وإجلال الخليفة سليمان بن عبدالملك له (وكان سليمان رجل خير يعرف للعلماء حقهم)، منها ما حدث ذات مرة في موسم الحج، فلما انتهى الخليفة من الطواف هو وولداه سأل أحد خاصته: أين الرجل؟ فقال: إنه هناك قائم يصلي. فاتجه له سليمان وولداه ينتظرون فراغه من صلاته، فإذا هو رجلٌ فيه إعاقة. وحول هذا المصلي أفواج من الناس تنتظر، فلما فرغ من صلاته أخذ الخليفة يستفتيه والفقيه يجيب الإجابات المفصلة، فلما قاموا ومشوا سمع الابنان المسؤول ينادي أن الوحيد المسموح له بالإفتاء هناك هو رجل يسمى عطاء بن أبي رباح، فاستغربا، والتفت أحدهما لأبيه الخليفة وسأله: أن مندوبك هذا نادى بأن رجلاُ يسمى عطاء هو المُفتي، فلماذا ذهبنا لذاك الرجل؟ فقال: ذلك عطاء. تمر علينا قصص كثيرة عن مخترعين لم تُثنِهم فقدان أعضاء أو قدرات عن الإبداع لكن كم منهم من يستمر تأثيره مئات السنين؟ تلك القصة حصلت عام 97هـ، أي قبل أكثر من 1300 سنة! ومع ذلك افتح اليوم تفاسير القرآن وانظر العلماء يستشهدون بتأويلات وآراء عطاء في آيات كتاب الله، ولقرأ سير الفقهاء تجده في طليعتهم، وطالع قصص التابعين تراه من نجومهم الساطعة. بل كان عطاء في الأصل عبداً مملوكاً، وكان يقسم وقته ثلاثة أقسام: قسم لخدمة سيدته، وقسم للعبادة، وقسم لطلب العلم، يأخذه من أمثال ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة؛ حتى شاع اسمه وذاع صيته، وأعتقته صاحبته لوجه الله لما رأته صاحب عبادة وعلم. هناك حديقة عامة قريبة مني، وكنت في رمضان الماضي أمر بها كل يوم في أوقات متعددة، ورأيت مشهداً يومياً أريدكم أن تقارنوه بقصة عطاء. رأيت مجموعة كبيرة من الشباب يجتمعون هناك من الفطور إلى السحور، يلعبون الورق ويتحادثون ويتبطّحون، ثماني ساعات أو أكثر كل يوم، شهراً كاملاً! يا له من تضييع شنيع للوقت. أي عذر لهم؟ هم أحرار وعطاء عبد، هم متفرغون وعطاء لديه مسؤوليات يومية، هم أصحاء وعطاء فيه شلل، هم سليمون وعطاء أعور، هم أسوياء وعطاء أعرج. هل تظن من يضيع وقته كل يوم هكذا سيذكره الناس بعد مئات السنين؟ مستحيل. الفِعل ما فعله عطاء، من استغلال للوقت، تَعلُّم، تعليم، تطوير المهارات، تنمية العقل، الإنتاج، نفع المجتمع، مساعدة الناس، العبادة، نشر العلم الصحيح، والكثير مما يمكن أن يفعله أي سليم العقل.