الشيخ عبدالرحمن السديس: خريطة بـ 14 لغة للمسجد الحرام لذوي الاحتياجات الخاصة
التاريخ : 8/6/2016 الموافق : 1437/9/3
___10060

في هذه الأيام المباركة من الخير الاستنارة بكلمات مع معالي الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، في حوار خاص لمجلة "الخطوة".

• بدايةَ نشكركم على تجاوبكم في مطلع هذا الحوار.. وفي ظل نفحات الشهر الكريم العطرة بالإيمان والرحمة والمودة.. ما رسالة معاليكم لكل محتاج إلى الله تعالى حيث يتساوى في ذلك الجميع، الغني والفقير، والمحتاج والمستغني، والصحيح والعليل؟

= في البداية نرحب بكم، ونسأل الله أن يجعل هذا الحوار نافعاً ومفيداً. وأما رسالتي لكل محتاج إلى الله تعالى في ظل نفحات هذا الشهر الكريم فأقول وبالله التوفيق: إنّ الكل يُدرك حاجة الناس إلى الماء والغِذاء، والشمس والهواء، والكساء والدواء، ولكن الأهم من ذلك كله هو ما لا غنى للناس عنه أبداً؛ فلا تستقيم أمورهم، ولا تصلُح أحوالُهم إلا به. الضرورة إليه فوق كل ضرورة، والحاجة إليه أعظم من كل حاجة، إنه الغذاء والكساء، والدواء الحقيقي؛ بحيث إنْ فقده الناس، خسروا دنياهم وأخراهم -والعياذ بالله-، ذلكم هو: الحاجة إلى الإيمان بالله والعقيدة الصحيحة علماً وعملاً، وسلوكاً ومنهاج حياة. وإنه لَمِنْ فَضْلِ الله على هذه الأمة أمةِ محمد ﷺ أنْ هداها للدين الحق، فاجتبى لها من العقائد أصحَّها وأنقاها، ومن المناهج أكملها وأسماها، ومن العبادات أيسرَها وأصفاها، ومن الأخلاق أشرفَها وأزكاها.

ولا سيما أنَّ الحاجة إلى الله تعظُم وتشتدُّ في غَمْرَةِ المَادِّيَّاتِ، وَامْتِزَاجِ الشُّبُهَاتِ بِالشَّهَوَاتِ، حيث تستريح النَّفْسُ في رِحْلَتهَا إِلىٰ اللَّـهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ، وَيَعْتَوِرُهَا الفُتُورُ، وَتَتَخَلَّلُها الرَّتَابَةُ وَالقُصُورُ، لكنَّ الله -جَلَّتْ حِكْمَتُهُ- لحكمَةٍ بَالِغَةٍ خَصَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بمَوَاسِمَ للطَّاعَاتِ، وَأَزْمِنَةٍ للقُرُبَاتِ، وَفُرَصٍ للخَيرِ سَانِحَاتٍ، مَنِ اهْتَبـَلَهَا وَأنْضَىٰ فِيهَا رَاحِلَةَ جَسَدِهِ؛ نَالَ الفَوْزَ وَالسَّعَادَةَ، وَبَلَغَ مَرَضَاةَ بَارِئهِ وَزِيَادَةً، وَمَنْ تَغَافَلَ عَنْهَا وَلَها؛ تَصَرَّم حَبلُ يَقِينِهِ وَوَهَىٰ، وَالنَّاسُ في ذَلِكَ بَيْنَ مَرْحُومٍ وَمَـحْرُومٍ.

وَمِنْ أَجَلِّ هَذِهِ الأَزْمِنَةِ المُبَارَكَةِ، شهرُ رمضان المبارك، الذي نسأل الله اللَّـهُ -جَلَّ وَعَلَا- أن يَمُنَّ علينا وعَلَيْكُمْ بِبُلُوغِهِ وَمُوَافَاتِهِ، ونحن جميعاً ننعمُ في ثِيَابٍ مِنَ الخَيرِ ضَافِيَةٍ، وَحَيَاةٍ آمِنَةٍ صَافِيَةٍ، إِنَّهُ شَهْرُ القُرْآنِ وَالفُرْقَانِ، شَهْرُ الصِّيَامِ وَالقِيَامِ "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ" [البقرة: 185].

في هذا الشهر الكريم القُلُوبٌ تأنَسُ بِجَنْبِ الرَّحيمِ الغَفَّارِ، وَالأَلْسِنَةٌ تلهَجُ بِالتَّوبَةِ وَالدُّعَاءِ، وَالحَمْدِ وَالاسْتِغْفَارِ، والنُفُوسٌ تسعَدُ بِالتِّلاوَةِ وَالتَّسْبيحِ، وتتألَّقُ بِالتَّهَجُّدِ وَالتَّراوِيحِ، دَأبُهَا الُخضُوعُ وَالخُشُوعُ، وَمَـحَاجِرُ أَسْهَدَهَا التَّفْرِيطُ، فَأَرْسَلَتْ أَحَرَّ الدُّمُوعِ؛ كُلُّ ذَلِكَ طَاعَةً لِلَّـهِ وَابْتِغَاءً لمَـرَاضِيهِ.

• كانت ولا تزال قضية تهيئة الأماكن والطرقات لتسهيل حركة المعوقين الشغل الشاغل لجمعية الأطفال المعوقين في برامج مثل جرب الكرسي, وأيضاً لمركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة عبر البرنامج الرائد الوصول الشامل.. فكيف تم ذلك في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وما أبرز أعمال وإنجازات الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي لمساعدة المعوقين خلال موسم الحج والعمرة، وللزوار منهم بصفة عامة على مدار العام؟

= تقوم الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي -وفق توجيهات ولاة الأمر في هذه البلاد- بتسخير إمكاناتها لخدمة هذه الشريحة العزيزة، لتيسر عليها أداء المناسك والزيارة بكل يسر وسهولة.

ومن ذلك أنها قامت بإصدار خريطة للمسجد الحرام لذوي الاحتياجات الخاصة بأربع عشرة لغة عالمية، وهي خريطة تتيح التعرف على الطرق المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة وإرشادهم إلى ما يريدون، وتقوم بتوزيعها على جميع الإدارات الحكومية والأماكن العامة، والخطوط السعودية، وفي وسائل الإعلام بأنواعها.

وتقوم بتوفير خدمة عربات الـ"قولف" في أطراف المنطقة المركزية لنقل ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن إلى رحاب المسجد وداخله. كما تقوم بتقديم عربات متعددة الأنواع لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة مجاناً.

وخصصت دور الميزانين في الدور الأول من مشروع خادم الحرمين الشريفين لرفع الطاقة الاستيعابية لصحن المطاف، خصصته لحركة عربات ذوي الاحتياجات الخاصة؛ وذلك لفصل حركة المعوقين عن حركة الطائفين في صحن الطواف.

وفي المسجد النبوي تم تجهيز مرافق لذوي القدرات الخاصة بتجهيزات مناسبة تساعد على الوضوء وتجهيز أنفسهم للدخول إلى المسجد، كما تتضمن المرافق مصاعد كهربائية لتسهيل وصولهم من وإلى ساحات المسجد، كما تم تجهيز منحدرات على معظم مداخل المسجد النبوي لصعود العربات والكراسي المتحركة، وكذلك تم توفير مصاعد داخل المسجد النبوي للوصول إلى المصليات في السطح، وجُهز مصلى للصم والبكم بشاشة تلفزيونية يتم عرض ترجمة بلغة الإشارة للخطب والدروس بالمسجد النبوي. كما تم توفير عربات لذوي الاحتياجات تُعار لهم مجاناً.

وجُهز مشروع المواقف بالساحات الشرقية للمسجد النبوي بتجهيزات روعي فيها سلاسة وسهولة حركة ذوي الإعاقة الحركية؛ فبمجرد وصول السيارات التي تقلهم يجدون مصاعد كهربائية ودورات مياه مخصصة لتناسب احتياجاتهم وتنقلهم مباشرة إلى الساحات الشرقية للمسجد النبوي؛ فأصبح لذوي القدرات الخاصة طريق سهل للدخول إلى المسجد النبوي من جهتيه الجنوبية والشرقية مجهز بمرافق دورات المياه الخاصة لحالاتهم.

• كيف يرى معالي الشيخ أهمية العمل الخيري في بلادنا ودوره في إبراز الالتزام بشرائع الله تعالى، والتي هي عنوان المملكة وشرفها وكرامتها منذ أن منَّ عليها العلي القدير بفضله وكرمه بأن جعلها سبحانه مهد رسالة الإسلام وبلداً للسلام؟

= إِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِسْلَامِ السَّامِيَةِ: الْإِحْسَانَ إلى الْفُقَراءِ وَالْـمُحْتَاجِينَ، وَالْـمُعْوِزِينَ وذوي الاحتياجات الخاصة من المعوقين، يَقُولُ -جَلَّ وَعَلَاَ-: "وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [البقرة: 195]، "وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [التغابن: 16]، ويقول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّـهُ».

وَهَـٰذِهِ السَّجِيَّةُ الْـمُنْبَثِقَةُ مِنْ سَمَاحَةِ الْإِسْلَامِ وَجَوْهَرِهِ تداوي الْـجِرَاحَ، وَتُدَاوِي الْكُلُومَ، وَتُخَفِّفُ الْبَأْسَاءَ، وَلَا غِنَىٰ لِأَيِّ مُجْتَمَعٍ عَنْهَا يَنْشُدُ الْـمَحَبْةَ وَالْوِئَامَ؛ لِـمَا فِي طَيَّاتِهَا -بِإِذْنِ اللَّـهِ- مِنَ الضَّمَانَةِ لِلسَّعَادَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَمَرْضَاةِ اللَّـهِ وَنَصْـرِهِ. وَلَنْ يَتَنَكَّرَ لِذَوِي الْـحَاجَاتِ وَالْعَاهَاتِ وَالْفَاقَاتِ، وَالزَّمْنَىٰ وَالْـمُعْوِزِينَ، إِلَّا غِلَاظُ الْأَكْبَادِ، وَقُسَاةُ الْقُلُوبِ -عِياذاً بِاللَّـهِ-، وَشَرِيعَتُنَا الرَّحِيمَةُ، حَذَّرَتْ مِنْ ذَلِكَ أَيَّما تَحْذِيرٍ.

وإِنَّ الْأَعْمَالَ الْـخَيْرِيَّةَ وَالْإِغَاثِيَّةَ بِصُنُوفِهَا الْـمُتَعَدِّدَةِ الْـمُتَنَوعِّةِ، جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ وَحْدَةِ بِلَادِ الْـحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَمَنْظُومَتِهَا الِاقْتِصَادِيَّةِ، وَمَا هِيَ إِلاَّ شُكْرٌ لِلْمُنْعِمِ عَلَىٰ إِنْعَامِهِ، وَآيَةٌ سَاطِعَةٌ عَنْ كَرَمِ أَهْلِهَا، وَزَكَاءِ أَرُومَتِهِمْ، وَمَحبَّتِهِمْ لِلْخَيْرِ وَتَفَانِيهِمْ فِيهِ، بِحَمْدِ اللَّـهِ.

• المعوقون، وكل محتاج أيضاً، أكثر الناس الذين يحتاجون إلى الكلمة الطيبة الهادية المنيرة للناس ورؤيتهم للدنيا والآخرة قبل احتياجهم المادي.. فماذا تقول لهم؟

= إضافة إلى ما ذكرته آنفاً في جواب السؤال الأول لكل محتاج إلى الله، أخص هنا أبنائي من ذوي الاحتياجات الخاصة فأقول لهم: أيها الأحبة الكرام.. إنَّ ربكم أرحم بكم من أنفسكم ومن والديكم ومن الناس أجمعين, وإنه سبحانه ما ابتلاكم إلا ليرفع درجاتكم, وما أخذ منكم إلا ليعطيكم, فاصبروا إن الله معوضكم خيراً، وأبعدوا عن أنفسكم القلق والشعور بالنقص، وأَحِلوا مكانه الرضا والثقة والسعادة، حيث إنَّ ما تعانونه من ابتلاء لا ينقص من كرامتكم كما لا يحط من قيمتكم في الحياة؛ لأن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل هي في الروح وخلاء القلب من ذكر الله تعالى، وإنَّ الْـمُؤْمِنَ حَقّاً -أحبتي الأماثل- مَنْ يَكُونُ إِيَمانُهُ دِرْعاً وَاقِياً لَهُ عِنْدَ تَعَرُّضِهِ لِلْأَزَمَاتِ, وَمَنْ تَكُونُ عَقِيدَتُهُ بِرَبِّهِ, وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ, حِصْناً حَصِيناً عِنْدَمَا تَـحِلُّ بِهِ الاِبْتِلَاءَاتُ, يَشُقُّ طَرِيقَهَ فِي الْـحَيَاةِ بِكُلِّ جِدٍّ وَتَفَاؤُلٍ, وَطُمَأْنِينَةٍ وَسَعَادَةٍ, وَرَاحَةٍ وَقَنَاعَةٍ؛ فَالْـمُؤْمِنُ الْـحَقُّ يَعْتَقِدُ يَقِيناً, أَنْ الْـمَصَائِبَ كُلَّهَا بِإذْنِ اللَّـهِ: "مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" [التغابن: ١١]، "مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" [الحديد: ٢٢]. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «هُوَ الْـمُؤْمِنُ, تُصِيبُهُ الْـمُصِيبَةُ, فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّـهِ فَيَرْضَىٰ وَيُسَلِّمُ»؛ فَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ, وَلَا مَانِعَ لِعَطَائِهِ, وَلَا مُعَقِّبَ لِـحُكْمِهِ: النَّفْعُ بِيَدِهِ, وَالشِّفَاءُ مِنْ عِنْدِهِ, فَمَا شَاءَ كَانَ, وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ: "وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ" [يونس: ١٠٧].

وَلَقَدْ تَقَرَّرَ لَدَىٰ أَرْبَابِ الْعُقُولِ وَالحِجَا, وَأُولِي الْأَفْهَامِ وَالنُّهَىٰ, أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ امْتِحَانٍ وَابْتِلَاءٍ, وَدُنْيَا كَبَدٍ وَنَصَبٍ وَعَنَاءٍ, وَتَعَبٍ وَشَقَاءٍ, تَـمُوجُ بِالْـمِحَنِ، وَتَزْخَرُ بِالْفِتَنِ, تَعُمُّهَا الْـمِحَنُ وَالْبَلَايَا, وَتَحُفُّهَا الْفِتَنُ وَالرَّزَايَا: سَرَابٌ خَادِعٌ، وَبَرِيقٌ لاَمِعٌ, لَكِنَّهَا سَيْفٌ قَاطِعٌ, وَصَارِمٌ سَاطِعٌ, كَمْ أَذَاقَتْ بُؤْساً! وَكَمْ جَرَّعَتْ غُصَصاً! وَكَمْ أَذَاقَتْ نَغَصاً! كَمْ أَحْزَنَتْ مِنْ فَرِحٍ! وَأَبْكَتْ مِنْ مَرِحٍ! وَكَدَّرَتْ مِنْ صَفْوٍ! وَشَابَتْ مِنْ مَعِينٍ! وَعَكَّرَتْ مِنْ نَمِيرٍ! سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْـحُزْنِ، وَصَفْوُهَا مَمزُوجٌ بِالْكَدَرِ، أَحْزَانٌ وَهُمُومٌ، وَأَوْجَاعٌ وَغُمُومٌ، كَمْ فِيهَا مِنْ جَزِعٍ، وَكَمْ عَلَيْهَا مِنْ فَزِعٍ! وَكَمْ يَئِنُّ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ وَجِعٍ! خَدَّاعَةٌ مَكَّارَةٌ، سَاحِرَةٌ غَرَّارَةٌ.

• "ما زاد الطين بلة والداء علة" في قول لكم حول انتشار القنوات الفضائية وكثرة الفتاوى والآراء دون علم في أصول الدين؛ فما مخاطر ذلك؟ وكيف تكون مواجهته؟ وهل هنالك ضوابط تحدد أهلية المنوط له الإفتاء؟

= إنَّ قضية الإفتاء خطيرة جداً في الدين؛ لذلك وصف أهل العلم المفتي بأنه موقِّع عن الله؛ لأنه يقول: إنَّ هذا الحكم حكم الله تعالى في هذه المسألة، فمن هنا كانت خطورة الفتوى وتحريم الفتوى بغير علم.

ولعظيم شأن الفتيا وخطورتها، وهيبتها ووعورتها، تدافعها الجُلَّة من الأصحاب العِظام، وتجانفها الخِيَرة من الأتباع الكرام -رضوان الله عليهم-. ويزداد الأمر هولاً، والخطب طولاً، إذا تعلَّقَت الفتيا بالعقيدة، والدماء المعصومة، وأمن الأمة ووحدتها، واستقرار البلاد وتماسكها، واتسمت بالشذوذ والفوضى والعشوائية.

والفتوى الفضائية تدور حولها كثير من الملحوظات؛ من حيث كفاءة المفتي من ناحية، ومن حيث اعتبار السائل وبيئته وثقافته وظروف بلده والعادات والتقاليد والأعراف، ومن حيث إن ما يناسب أحد المستفتين قد لا يناسب الآخر؛ مما يدخله الاجتهاد من المسائل الفقهية، لا ما كان معلوماً من الدين بالضرورة من الاعتقادات والأصول العامة.

وقد ذكر أهل العلم ضوابط للفتوى، وأول ضابط لها، وهو من أهم الضوابط: أهلية المفتي، وذلك بتحقق شروط الإفتاء فيه، وهي -كما ذكر أهل العلم- خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والعدالة، والاجتهاد.

وثانيها: الاعتماد على الأدلة الشرعية؛ لتكون الفتوى محلاًّ للاعتبار، والقبول، والانضباط، والأدلة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.

وثالثها: خلوها من المصطلحات التي يتعذر على المستفتي فهمها، وسلامتها من الشذوذ الذي يصادم الأدلة الشرعية والمقاصد المرعية.

ورابعها: سلامة الفتوى من الغموض والغرابة والإجمال؛ حتى لا يقع السائل في الحيرة والشك.

وخامسها: اعتبار مقاصد الشريعة العميمة، وغاياتها العظيمة، ومآلاتها الحكيمة.

وسادسها: ضابط التروي والتثبُّت، وعدم الانبعاث في الإجابة، بل لا بد من الاستفصال في السؤال، وحسن الإصغاء.

وسابعها: أن يتولى ولي الأمر، أو من ينُوبُه، تنصيب المُفتِين وانتقاءهم، أو منعهم والحَجْر عليهم.

ومن الضوابط المهمة، أن تُقصَر فتاوى النوازل، والقضايا الكبرى، والأقليات، على المجامع الفقهية، والهيئات العُليا الشرعية، في نأيٍ بمقام الفتوى وساحاتها عن التخرُّصات الفردية، والاجتهادات والأُطروحات الأحادية.

• هل يرى معاليكم أنّ العالم الإسلامي في اللحظة الراهنة في حاجة إلى التوسع في تعظيم دور الإعلام، لبيان حقيقة ديننا الحنيف بعد أن قام نفر من المسلمين وأصحاب الفكر الضال بتشويه صورة المسلم في نظر العالم؟

= نعم. الإعلام في هذا العصر قناة مهمة، وشريان حيوي، يؤثر سلباً أو إيجاباً في الناس بمختلف الشؤون، والعالم الإسلامي اليوم في حاجة ماسة إلى أن تضاعف وسائل الإعلام جهودها في بيان وسطية الإسلام واعتداله، والدعوة إلى الله، ونَشـرِ الفضيلة، ومحاربة الرذيلة؛ لأنّ ووسائل الإعلام أمانةٌ في يد من اؤتمنوا عليها، ويجب أن تسخَّر لخدمة الإسلام والمسلمين. وَمَا أَحْرَىٰ أَنْ تُسَاهِمَ فِي تَحْقِيقِ واجبها تجاه دين الله -عزَّ وجل-، ومَا أَحْوَجَ الْعَالَمَ إِلَىٰ فَهْمِ الصُّورَةِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ! وَلْنَكُنْ صَفّاً وَاحِداً أَمَامَ أَعْدَائِنَا، وَلْنَسِـرْ عَلَىٰ مَنْهَجِيَّةٍ صَحِيحَةٍ تُحَقِّقُ المَصَالِحَ وَتَدْرَأُ المَفَاسِدَ -بِإِذْنِ اللَّـهِ- عَنْ أُمَّتِنَا وَمُجْتَمَعَاتِنَا. وَلْنَتَلَاحَمْ مَعَ وُلَاةِ أَمْرِنَا وَعُلَمَائِنَا أَمَامَ طُوفَانِ الْفِتَنِ.

• شارك معاليكم مؤخراً في حفل ختام مسابقة الأمير سلطان بن سلمان لحفظ القرآن الكريم للأطفال المعوقين.. فكيف كانت هذه الليلة المباركة بالقرآن الكريم وبهذه الفئة الغالية من الأطفال، وما تعليقكم؟

= إنَّ أبناءنا من ذوي الاحتياجات الخاصة ليسوا ذوي إعاقة او احتياجات خاصة، ولكن هم ذوو قدرات خاصة طالما -ولله الحمد- استطاعوا حفظ القرآن وتفسيره، ولكن من يصدّ عن القرآن ولا يتلو القرآن الكريم فهؤلاء هم الذين يحتاجون إلى المساعدة وهم أصحاب الاحتياجات الخاصة.

وفي تلك الليلة المتألقة بحضور سمو الأمير الطموح سلطان بن سلمان رئيس مجلس إدارة جمعية الأطفال المعوقين -حفظه الله-، والواقع أن الجميع قدم له الشكر والثناء على البادرة الطيبة، وما سرَّنا هو استمرارها على مدى 19 عاماً، ولله الحمد. ومنذ 30 عاماً وهو يرعى هذه الجمعية، كما زفَّ سموّه في تلك الليلة المباركة البشرى للجميع بدعم وقف المسابقة، وللمسابقة المتألقة. وأحث الجميع على العمل الخيري، وتبنِّي مثل هذه المشاريع الخيرية، وهي التي تبقى لنا.

وإن طموحاتنا أكبر، خصوصاً أننا نعيش -ولله الحمد والشكر- في بلد الخير والاستقرار، وإن الإعاقة تحتاج إلى أن يُقدَّم فيها مشروع إسلامي حضاري للعناية بهذه الفئة الغالية، والأخذ بأيديهم، والتعاون على البر والتقوى.

• تواجه الكثير من الجمعيات التي تقدم خدمات مجانية لأصحاب الاحتياجات الخاصة، وكذلك حلق تحفيظ القرآن الكريم تراجعاً في مواردها المالية من التبرعات والهبات.. فهل ترى أهمية أن تبحث هذه الجمعيات عن بدائل شرعية للتمويل مثل الأوقاف الخيرية؟

= نعم. لابد لهذه الجمعيات أن تبحث عن بدائل شرعية توفر لها مورداً ثابتاً يرفع عنها الحرج من جراء القصور في تقديم الخدمات وتأخر المشاريع. مورداً يعينها على القيام بمسؤولياتها وأداء رسالتها، وتوسِّع وتنوِّع المناشط التي تقدِّمها ومواكبة العصر وتطوراته في الخدمات التي تقدمها.

ومن هذه البدائل -كما ذكرتم- الوقف, ولا ريب أن الوقف له دور مهم في دعم متطلبات الأعمال الخيرية ووسائلها ومناشطها، وإيجاد الاقتصاديات الثابتة والدائمة لها؛ الأمر الذي يؤدي إلى زيادة فاعلية تلك الوسائل والمناشط، واتساع أعمالها، وشمولية خيرها للناس.

• تبنَّت جمعية الأطفال المعوقين استراتيجية لإحياء الوقف الخيري المبارك؛ وذلك لتأمين نسبة من الميزانية التشغيلية لمراكزها بهدف الاستمرار في تقديم خدماتها المجانية دون أن تتأثر بتذبذب التبرعات في كثير من الأوقات. فماذا تقولون في هذا التوجه؟

= إنَّ توجه جمعية الأطفال المعوقين إلى إحياء هذه السنة المباركة وتحقيقها في المجتمع توجه موفق ومحمود يستحق الشكر والثناء والمساندة.

فالوقف -كما هو معلوم- أسهم في تاريخ الإسلام مساهمة فعالة ظهر أثرها في المجتمع الإسلامي بوضوح كبير وفي مناح متعددة منها؛ فقد أسهم في إنشاء المرافق الخدمية من مدارس ومستشفيات وطرق وجسور وغيرها من وسائل ومؤسسات التنمية الاجتماعية والحضارية، ناهيك عن دوره في دعم العلم الشرعي, ووقف أموال لدعم مجهود علماء الأمة وفقهائها لتأمين قيامهم بدورهم خير قيام.

فأصبحت الأمة الإسلامية بسبب أوقافها مضرباً للمثل -لغيرها من الأمم- في رقيها وحضارتها.

فندعو أهل الخير في هذه البلاد إلى المشاركة في أوقاف الجمعية؛ لما تتضمنه من خير للأطفال المعوقين، بالإضافة إلى تشجيعها في إحياء هذه السنة المنيفة؛ إذ إن تاريخ الوقف عند المسلمين عامر بكل ما هو خير لكل صاحب حاجة، ويعكس خصلة التكافل والتراحم في ديننا الحنيف.

• كلمة أخيرة تودون إضافتها لجمعية الأطفال المعوقين ونحن في رحاب شهر رمضان الكريم؟

= في الختام نشكر جمعية الأطفال المعوقين التي تسعى جاهدة لأداء رسالتها السامية وتحقيق أهدافها الاجتماعية في مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة من الأطفال المعوقين؛ كي تسهم في بناء جيل صالح من خلال خدماتها المقدمة عبر برامج علاجية وتأهيلية تنمي قدراتهم، وتُعنى بهم، وتهيئهم؛ ليكونوا لبنات صالحة تساهم في بناء الوطن.

والحقيقة أن هذه الرسالة رسالة إسلامية وإنسانية ووطنية؛ فالجمعية تنوب عن المجتمع وأهل الخير في تقديم منظومة من برامج الخدمة والرعاية لهذه الفئة الغالية, وتتصدى لقضية محورية باتت تمثل هاجساً اقتصادياً واجتماعياً وهي قضية الإعاقة.

ولِما نعرفه عن مجتمعنا المبارك من حبه للعمل الخيري وحرصه على دعم مشاريعه وبرامجه الاجتماعية الجليلة، وانطلاقاً من قوله تعالى: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى" [المائدة: 2], واغتناماً لمناسبة حلول شهر رمضان المبارك نناشد الجميع الوقوف مع مشاريع الجمعية ودعمها من خلال مراكزها المنتشرة في بلادنا الغالية، ونخص بالدعوة أهل الخير من رجال الأعمال وغيرهم لدعم موارد هذه الجمعية للتبرع من خلال دفع الزكاة أو دعم مناشط الأوقاف الخاصة بالجمعية، ولا سيما أنّ جهودها تصب في خدمة أبنائنا من الأطفال المعوقين.

فَجُودُوا أَيُّهَا الْكُرَمَاءُ النُّبَلَاءُ، مِمَّا أَفَاضَ اللَّـهُ عَلَيْكُمْ، وَابْسُطُوا بِالنَّوَالِ وَالعَطَاءِ الْأيَادِيَ، لِتُبَدِّدُوا بِذَلِك هُمُومَ وَعَوَزَ أبنائكم من الأطفال المعوقين، وَلِتَفُوزُوا بِأَغْلَىٰ الْـمِنَنِ: مَرْضَاةِ رَبِّ الْعَالَـمِينَ، وَقَدْ وَعَدَ –سُبْحَانَه- الْـمُنْفِقِين بِالْـخَلَفِ الْـجَزِيْلِ؛ فَقَالَ -عَزَّ مِنْ قَائِلِ-: "وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" [سبأ: 39].

وَإنَّ لكُمْ فِي التَّنَافُسِ فِي الْـخَيْرِ، وَالتَّسَابُقِ إِلْيهِ أُسْوَةً حَسَنَةً فِي نَبِيِّكُمْ –صلى الله عليه وسلم-؛ حَيْثُ «كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّـهِ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجَودَ بِالْـخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْـمُرْسَلَةِ».

ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لصيام شهر رمضان وقيامه إيماناً واحتساباً، وأن يجعلنا من المقبولين والفائزين فيه، ومن عتقائه من النار، وأن يكلِّل جهود الجميع بالتوفيق والسداد، بما يعكس الصورة المشـرقة لديننا الحنيف، ودولتنا المباركة، والصُّعود إلى أعلى مراقي التميُّز والإبداع، وأن يحفظ لنا عقيدتنا وقيادتنا، وبلادنا ورخاءنا، وأمنَنا وأماننا واستقرارنا؛ إِنَّهُ خَيْرُ مَسْؤُولٍ وَأَكْرَمُ مَأْمُولٍ، وصلَّى الله على نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً.